|
نعيش اليوم في عصر سريع التغير،
عصر التكنولوجيا والمعرفة الرقمية، عصر الاتصالات المتطورة
وتداعي الحدود الجغرافية، والحواجز الجمركية، عصر تتجدد وتسمو
فيه المعرفة، وتتغير فيه حال الشرائح الاجتماعية والقوى
الاقتصادية، والتحالفات السياسية. في هذا العصر لم يعد اختيار
التخصص الدراسي أو المهنة في سوق العمل مرتبطا فقط بنصيحة
الآباء والأجداد أو تقليدهم، بل صارت هذه العملية عملا علميا
منظما يطلق عليه الإرشاد الأكاديمي والمهني، يستند على قاعدة
من المعلومات والتقنيات حول حاجات سوق العمل من العناصر
البشرية المدربة والمؤهلة المطلوبة حاليا ومستقبلا.
تقوم فلسفة الإرشاد الأكاديمي والمهني على تزويد الأفراد
بمعلومات عن أنفسهم، وعن النظام التعليمي والتدريبي، وعن سوق
العمل، بحيث يتمكن هؤلاء الأفراد من اتخاذ القرارات المناسبة
فيما يتعلق باختياراتهم التعليمية والمهنية بما ينسجم مع
متطلبات التنمية عموما، والتنمية البشرية المستدامة على وجه
الخصوص. وبهذا يتطلع الإرشاد الأكاديمي والمهني إلى كفالة
التحاق الفرد بتخصص أو عمل منتج يتماشي مع قدراته وتطلعاته
وظروفه الشخصية، وتشجيع وتنمية روح الإبداع والمبادرة، بهدف
المحافظة على فعالية الفرد في العمل الذي يقوم به وزيادتها،
وتحقيق الرضا والسعادة للفرد، والمنفعة للمجتمع من خلال تحقيق
التوازن بين حاجات ورغبات الفرد، وحاجات سوق العمل والمجتمع
وتطلعاته.
إن هذا يعني تطوير آليات مناسبة
للإرشاد الأكاديمي والمهني تنسجم مع التغيرات السريعة
والمتلاحقة في سوق العمل وبيئته، وتحقق التناغم ما بين
احتياجات السوق المبنية على التكلفة والعائد، وبين حاجات
الأفراد وميولهم ورغباتهم. ومن الأهمية بمكان ملاحظة أن
العلاقة ما بين الإرشاد الأكاديمي والمهني ومتطلبات سوق العمل
قد أصبحت من الأمور الأكثر تعقيدا في ظل التقدم التقني
والانفجار المعرفي الهائل الذي يعيشه العالم حاليا، والذي يفرض
نفسه بقوة على متطلبات سوق العمل، ويؤثر دون ريب في شكل ومحتوى
برامج الإرشاد الأكاديمي والمهني. وهو ما يستدعي إعادة النظر
في الأساليب التقليدية للإرشاد الأكاديمي والمهني، واعتماد
أساليب حديثة ومتطورة قادرة على توظيف التقدم التقني
والمعلوماتي بصورة ناجعة في عملية الإرشاد الأكاديمي والمهني.
إن التقدم التقني والانفجار
المعرفي غير المسبوقين قد أديا إلى بروز مجالات عمل تقنية
ومهنية جديدة خلال فترات زمنية قصيرة، وقد انعكست هذه المجالات
الجديدة على الهيكل المهني القائم، وهو ما يشكل تحديا جديدا
للعاملين في مجال الإرشاد الأكاديمي والمهني، ويفرض تطوير
وتوسيع نظم الإرشاد الأكاديمي والمهني، وتقديم معلومات حديثة
بصورة مستمرة، الأمر الذي يقتضي الإدراك الواعي للترابط ما بين
التخطيط الاقتصادي والاجتماعي، وبين تنمية الموارد البشرية،
والتنبؤ بالاحتياجات المهنية والتقنية وتوقعات البطالة
والتشغيل، وتكييف الإرشاد الأكاديمي والمهني بما ينسجم مع ذلك.
ولا شك إن الإرشاد الأكاديمي والمهني الفاعل من شأنه أن يسهم
على المدى الطويل في وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب،
وتخفيض نسب البطالة، من خلال تجنب أوجه الهدر في الإمكانيات
والموارد البشرية، والاستجابة العلمية والمنهجية الواعية
لحاجات الأفراد والمجتمعات وأسواق العمل في وضعها الراهن وفي
توجهاتها المستقبلية.
إن الإرشاد الأكاديمي مرتبط
بالتعليم ومنه التعليم العالي هو جواز السفر الأهم عند
الفلسطينيين، لذا لا عجب أن يركز الفلسطينيون على التعليم
كثيرا، فهو بالنسبة لهم ليس استثمارا اقتصاديا فحسب، وإنما
آلية من آليات البقاء، وأحد وسائل المقاومة والصمود. في البدء
عندما حلت النكبة، استخدم الفلسطينيون التعليم علاجا للتغلب
على آثار النكبة وما أعقبها من تهجير، ثم أدرك الفلسطينيون أن
تشكيل الهوية الوطنية، وتحقيق هدف العودة، والنهوض الاجتماعي
والاقتصادي والسياسي يتطلب استثمارا كبيرا في التعليم، وهذا ما
تم فعلا بحيث تشكلت ما يمكن أن نسميه "بالظاهرة الفلسطينية"
وتتمثل في انتقال الفلسطينيين من أدنى معدلات التحصيل العلمي
قبل عام 1948 إلى أعلاها عالميا بعد ثلاثة أو أربعة عقود.
في الوقت الحاضر يوجد في فلسطين
44 مؤسسة تعليم عالي منها 12 جامعة، ويدرس في هذه المؤسسات
حوالي 150 ألف طالب وطالبة سنويا، وهي تخرج سنويا حوالي 20 ألف
طالب وطالبه. من الجانب الأخر يتميز سوق العمل الفلسطيني
بمحدودية قدرته الاستيعابية بسبب الحصار والاغلاقات والقيود
على الاستيراد والتصدير والإجراءات الاحتفالية الأخرى، لذا فإن
هذا السوق لا ينتج سوى بضعة آلاف من فرص العمل سنويا في حين أن
متطلبات التنمية والتصدي للبطالة في فلسطين يتطلب إنتاج 40 ألف
فرصة عمل سنويا. إن هذه المعطيات تشير إلى الإشكالية
الاقتصادية التي يواجهها المجتمع الفلسطيني، وهي أيضا تشير إلى
الأهمية المتزايدة للإرشاد الأكاديمي والمهني في تقديم
المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب لطالبي الإرشاد الأكاديمي
والمهني.
أما بخصوص الإناث في فلسطين
فالمعطيات الإحصائية الحكومية وغيرها تؤكد تقلص الفجوة بين
الجنسين في مجال التعليم وخاصة من الناحية الكمية حيث تتساوى
نسب تسجيل الإناث والذكور في التعليم، وتزيد نسبة الإناث عن
الذكور بين طلبة وخريجي مؤسسات التعليم العالي، لكن الفجوة ما
بين الجنسيين في سوق العمل ما زالت قائمة وكبيرة، وابرز
مظاهرها المشاركة المتدنية للمرأة في القوى العاملة التي تبلغ
15% فقط، وهو الأمر الذي يؤكد الحاجة إلى إرشاد أكاديمي ومهني
فاعل للفتيات.
يأتي دليل الإرشاد الأكاديمي
والمهني هذا والذي أعدته مجموعة من الباحثين والمختصين كل في
مجاله، كإضافة نوعية أخرى للمكتبة الفلسطينية والعربية التي
تعاني من شح المظان في هذا المجال، وهو يأتي ضمن الجهود
والنشاطات المتنوعة التي يقوم بها منتدى شارك الشبابي لزيادة
تمكين المرأة ومواجهة مختلف أنواع التمييز والتهميش التي تتعرض
لها، وقد صمم هذا الدليل ليتم استخدامه في التدريب من قبل
المرشدين والمرشدات، وهو يضم خمس عشرة جلسة تدريبية خصصت
الجلسات الأربع الأولى لعملية الإرشاد الأكاديمي والمهني نفسها،
فيما تطرقت الجلسات الأخرى إلى قضايا ذات علاقة بالإرشاد
الأكاديمي والمهني مثل أهمية التعليم، والحق في التعليم،
وتعليم المرأة، والتعليم والتدريب المهني والتقني في فلسطين،
والخدمات التعليمية المطلوبة لكبار السن ومحو الأمية الوظيفي،
والفقر والتعليم، والزواج المبكر والتعليم، وتأثير النوع
الاجتماعي على الاختيار في التعليم، والحق في العمل.
تميز هذا الدليل ببساطة الأسلوب،
ووضوح الهدف، وتجنب الإسهاب النظري، فجاء سهلا مختصرا تكمل
وحداته بعضها البعض، وتنفرد كل وحدة بموضوعها المستقل، فلم
يقصد من إخراجه أن يتم قراءته دفعة واحدة كما تقرأ القصص وكتب
التاريخ، وإنما قصد منه أن يكون دليلا عمليا ينتفع به المدربين
والمتدربين.
في الختام، يبقى هذا الدليل
محاولة جادة لمعالجة موضوع الإرشاد الأكاديمي والمهني بطريقة
علمية ومنهجية ضمن السياق الفلسطيني، والآمال معقودة أن تتبعه
محاولات أخرى في هذا المجال للمساهمة في جسر الفجوة بين مخرجات
نظام التعليم الفلسطيني، وحاجات سوق العمل في سبيل تحقيق
التنمية الشاملة والمستدامة.
بقلم: د. صلاح الزرو التميمي
الوكيل المساعد للشؤون الفنية / وزارة العمل
|